ميرفت سيوفي
يكاد اللبنانيون يتجاهلون مجرد فكرة أن يتفاءلوا، حذراً من الخيبات اللبنانية المعتادة، فعملياً احتاج العرب أكثر من خمسة عشر عاماً لتتقاطع رغباتهم ورغبات اللبنانيين ورغبات مصالح القوى الإقليمية والقوى الدولية على اتخاذ قرار بوقف نزيف الحرب اللبنانية، وإخراج لبنان من تصفية حسابات كل دول العالم على أرضه..
يشهد لبنان اليوم حدثاً يفترض أنه عظيم في تاريخهم، ومع هذا تراهم ينظرون بعين الريبة والشك وعدم الطمأنينة، على رغم هذه المساعي الخيرة الضخمة التي ينهض بها خادم الحرمين الشريفين رغبة منه في إعادة ترميم الصف العربي المتناثر منذ عقود، ورغبته في حماية استقرار المنطقة واستقرار لبنان، والحديث المتسارع عن المظلة العربية، ومع هذا يتساءل اللبنانيون ما إذا كانت هذه المظلة العربية ستقيهم حمى التصريحات التهديدية التي تأتيهم من إيران؟!
يتوجس اللبنانيون خيفة على اعتبار أن "هواية" توتير أجوائهم وأعصابهم أمر يتلذذ به حزب الله، خصوصاً عندما يتم اعطاء التوتر على "جرعات" بتواريخ معلنة، خوفاً عليهم - ربما - من "أوفر دوز" التصعيد.. وهذا اليوم بكل ما يرسمه من آمال وطموحات انتظرها اللبنانيون طويلاً فلعقود من الزمن انتظروا لحظة الاعتراف بهم دولة سيدة حرة مستقلة، وإذا ما ارتسم مشهد هذه الدولة اليوم في 30 تموز، فإن المساء سيقفل أبوابه على المشهد، ليتابع اللبنانيون بعدها عبر الشاشات الزيارة الأميرية القطرية، ثم سيجدون أنفسهم وجهاً لوجه أمام "حملة تطعيم التوتر المستمر"، وموعد "جرعة" الإطلالة الجديدة في 3 آب، ما هو حجم "جرعة" التوتير والتصعيد الذي سيتم إعطاؤها للبنانيين، فهذا سؤال لا إجابة عليه قبل تاريخ "طُعْم التوتر" الممتد من تموز حتى آب؟!
ما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية أول امس، عن أن لبنان مقبل على أسبوعين حاسمين دقيق في وصفه، فمصير لبنان اليوم مربوط بإيران التي دخلت على خط المحكمة ولكن مع إيضاحها أن هناك مشروع سلام يحاك للمنطقة وأردفت بتوقعها فشله..
ليس الأمر سراً فالحديث عن المفاوضات المباشرة على المسار الفلسطيني - الإسرائيلي بدأ منذ مدة، وربما تلحق بها مسارات باقية، وازداد الأمر وضوحاً مع إعلان رئيس حكومة العدو جهوزيته لمفاوضات مباشرة مع الفلسطينيين، وجاءت إشارة من جامعة الدول العربية حول قبولها من حيث المبدأ بالذهاب إلى مفاوضات مباشرة لتؤمن لمحمود عباس مظلة عربية، ولكن؟ هل سيترك الطرف المتضرر الأمور تسير بشكل طبيعي؟ نشك في ذلك.
ستخسر إيران أبرز أوراقها الضاغطة، وإن كانت عجّلت في إعادة العراق إلى دائرة العنف والتفجيرات الفتنوية، وأعادت إلى ذراعها في اليمن رخصة التحرك عبر صراع الحوثيين والقبائل وبدء الحديث عن حرب سابعة، في لحظة الجميع بات يدرك فيها فشل اليمن في ضبط أي من الاضطرابات التي تطبق عليها من صعدة إلى الحراك الجنوبي، فلماذا ستترك ورقة حزب الله في لبنان على الحياد، ما دام يدها في غزة شبه مشلولة؟
تحاول إيران الآن أن تستدرك استعادة المفاوضات مع الدول الكبرى، ولكن بات هؤلاء خبراء في المناورات الإيرانية، لذا، فإن أسبوعيْ لبنان ينتظران المصير الإيراني، ولم يعد بإمكان حزب الله أن يُبعد عنه شبهة استخدامه ورقة المحكمة للضغط لمصلحة إيران، مع إعلان إيران نفسها أن المحكمة ورقة ضغط عليها وعلى ذراعها العسكرية في لبنان، وبعد توقع عضو مكتب السياسي محمود قماطي أن "ملف المحكمة سينام في الأدراج إذا تم الاتفاق على الملف النووي الإيراني"...
هذان الأسبوعان الحاسمان اثنان لهما مصلحة شديدة في اندلاع حرب بعدهما، وللمصادفة الاثنان هما إسرائيل وإيران.. الأولى لتهرب من المفاوضات المباشرة، فإسرائيل لا تريد السلام، والثانية تحتاج للضغط على العالم عبر إسرائيل، وحزب الله جاهز وبات يملك الذريعة.
الحديث عن مظلة عربية بالكاد يطمئن اللبنانيين، فهم يدركون أن إيران قادرة بذراعها في لبنان أن تقلب مشهد اليوم رأساً على عقب إن لم تعجبها "الصورة"، ثمة قلق من "صورة" جديدة اليوم، غير تلك التي تم التقاطها في دمشق وإن خالفت البروتوكول الرئاسي، بالتأكيد وقد تستاء منها إيران، وحتى الساعة لا يملك أحد تفسيراً حول كيفية ترجمة طهران لهذا الاستياء..
لا نوافق الذين يراهنون على أن حزب الله لا يملك غطاء يساعده على الإقدام على 7 أو 70 أو 700 أيار جديد، ربما علينا أن نذكر هؤلاء بتجربة انقلاب حماس في غزة، والأطراف المحشورون عادة يهربون إلى "التفجير" لا إلى "التهدئة"، وعليه سيبقى كل رعاية واهتمام وتحرك عربي محدود التأثير ومؤقت لأنه يؤجل الانفجار فقط ويتعامل مع القنبلة المشتعلة على طريقة "نزع الفتيل"، وتبقى القنبلة موجودة إلى أن يتم زرع فتيل بديل عن ذاك الذي تم نزعه... حان الوقت لإبعاد القنبلة نهائياً عن لبنان الذي نريده دولة لا ساحة، "شيلو" القنبلة أولاً، ثم انزعوا الفتيل ثانياً وعلى أقل من مهلكم..