ميرفت سيوفي
مطلوب ومشكور التحرّك الذي سارع فخامة رئيس البلاد الى القيام به واللقاءات العاجلة التي أجراها بالأمس لاحتواء حال التوتر التي بثها في أرجاء لبنان أمين عام حزب الله بخطابه الأخير وهجومه الاستباقي على المحكمة الدولية والقرار الظني الذي افترض أنه سيصدر في أيلول المقبل مستنداً إلى تصريح رئيس أركان جيش العدو الإسرائيلي بل ومتمسكاً به، إضافة إلى ما أسماه "حجر الزاوية في القرار الظني الذي هم يعملون عليه، القرار الظني الذي هو بمثابة المؤامرة الجديدة ليس على حزب الله وإنما على البلد والمنطقة" (...)
هذا كلام يجافي منطق أي تحقيق جنائي - فالحركة التي بادر إليها رئيس الجمهورية درءاً للتوتر واستدراكاً للفتنة، خصوصاً أن أصواتاً خرجت بالأمس تتهم فريق 14 آذار بالفتنة والسعي إليها، وربما أسقطوا من ذاكرتهم الموقف الذي أعلنه أمين عام حزب الله في خطابه يوم 7 أيار تحديداً والذي تحدث فيه عن موقفه من الفتنة، عندما أعلن وقبيل إطلاق الرصاص على بيروت وأهلها: "نحن لم نعد قلقين من الفتنة الشيعية السنية وانتهى هذا الموضوع وهذا السلاح ما حدا يستخدمه"!!
هذا التهديد وهذا الاضطراب غير مفهوم في موقف حزب الله، فقد سبق ونشر خبر يتعلق بالتحقيق الدولي أشار إلى أن "دانيال بلمار، المدّعي العام في المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وسائر الجرائم المتصلة، طلب من لبنان تزويده ببصمات كل اللبنانيين، ووافقت السلطات اللبنانية على طلبه، وأن المحكمة الدولية كانت طلبت في وقت سابق، بصمات الطلاب اللبنانيين الذين دخلوا الجامعات بين 2002 و2005"، ولم يدب الذعر في قلوب اللبنانيين، ثم لماذا هذا التحقير لعقول الناس؟!
فسّروا لنا كيف يكون قرار ظني لمحكمة دولية مبني فقط على الاتصالات الهاتفية؟ وكيف يبنون كل هذا البنيان على شاهد زور واحد أو اثنين أو عشرة؟! وهل تنبه السيد حسن - الذي لا نشك في ذكائه مطلقاً - أن هناك مجموعة شهود في هذه المحكمة من رؤساء دول وملوك ومسؤولين سياسيين كباراً أطلعهم الرئيس الحريري بنفسه على ما يتهدده، وأن هناك أقماراً صناعية تعقبت سير السيارة المفخخة وخط سيرها منذ تم الإبلاغ عن سرقتها في اليابان وانفجارها في لبنان؟! ألم يسمعوا بفحص الحمض الريبي وهو متقدم بكثير على فحوص الـ(D.N.A)؟! ألم يسمعوا بمحطة طويلة عريضة للمخابرات البريطانية ترصد كل الاتصالات في كل بلدان منطقة الشرق الأوسط، بما فيها إسرائيل، مقرها قبرص منذ عقود طويلة؟! ألم يسمعوا بتحليل بصمة الصوت؟! أليسوا مطلعين على كل التقدم التكنولوجي الذي بلغه علم التحقيق الجنائي؟! البعض يتعاطى معنا على أننا "جدبان" وربما أكثر!!
ما قام به رئيس الجمهورية بالأمس، اللبنانيون ممتنين له، ولكن؛ ما يُحير اللبنانيين أنهم لم يسمعوا موقفاً واضحاً من رئيس البلاد!! على ما يبدو أن الوحيد في لبنان الذي يحق له توجيه التهم وطرح الأسئلة هو أمين عام حزب الله، تمنينا لو سمعنا كلمة من فخامة الرئيس الذي "أقسم" يميناً دستورية على حمايتنا وحماية لبنان بعد التهديد الذي سمعناه!!
كنا ننتظر منه على الأقل أن يستعيد موقفه في "خطاب القسم"، وضمناً هذا الخطاب هو البيان الرئاسي لما سيقوم به خلال عهده - الذي على ما يبدو أنه لم يبدأ بعد وقد لا يتيحون له الفرصة حتى يبدأ - تمنينا لو خرج على اللبنانيين وأعاد تمسكه بما قاله في خطاب القسم - الذي دخل متاهة النسيان - "إن التزامنا مواثيق الأمم المتحدة، واحترامنا لقراراتها، يعود لقناعتنا الراسخة بالشرعية الدولية المستمدة من مبادئ الحق والعدالة، وإذ نؤكد مساهمتنا في قيام المحكمة الدولية الخاصة، بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وما أعقبه من اغتيالات، فذلك تبيان للحق، وإحقاق للعدالة" أليس هذا كلام فخامته، والمطلوب أن يطبقه ويحمي تطبيقه، ليست مهمة رأس البلاد مراضاة الخواطر والطلب إلى مفجّري هدوء البلد أن "روقوها يا شباب"!!
مشكور فخامتك على هذا الجهد، ونحن نؤيدك وندعم خطواتك، ولكن اللبنانيين يتساءلون منذ الجمعة 16 تموز الجاري عن سبب التزامك الصمت، على غير عادتك عندما يتعلق الأمر "بالثلاثية"، التي فبركتموها لغوياً والمحزن أنكم أيضاً صدقتموها أيضاً... المطلوب من رئيس البلاد موقف وكلام واضح بعد التهديد الواضح والمبطن الذي سمعه اللبنانيون، أم أن علينا أن نتوقع المشهد نفسه الذي ما زال يحفر في ذاكرتنا عندما تُرك المدنيون لقدرهم في مواجهة "السلاح لحماية السلاح" ووقف المعنيون بحمايتهم يتفرجون عليهم وهم يقتلون وتستباح بيوتهم وكراماتهم؟!