محمد سلام
لا تشن أي حرب من دون الإجابة عن ثلاثة أسئلة: أين ميدانها، من يشنها (المعتدي) ومن ينهيها (المنقذ).
لتوضيح ما سبق نلفت إلى أن الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في العام 1975 كان قد تم تحديد ميدانها لحظة انتهاء الحرب بين الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية في أيلول العام 1970، وتمثل ذلك بنقل المقاتلين الفلسطينيين المهزومين بشاحنات الجيش السوري من الأردن إلى العرقوب اللبناني.
المعتدي، في تلك الحرب كما في غيرها، يكون أكثر من طرف كي تكتمل عناصر النزاع بما يؤجج الحرب. في حالة تلك الحرب كان المعتدي فلسطينيا، من جهة، عبر الترويج لما سمي بنظرية "الوطن البديل"، كما كان أيضا مسيحيا-يمينيا في لحظة حافلة عين الرمانة في 13 نيسان العام 1975 ما ساهم في تحويل المعتدي الأول إلى ضحية. هكذا اكتمل مشهد النزاع.
المنقذ، ذلك المنقذ، كان النظام السوري من وجهة النظر المسيحية الأولى المعبر عنها بطلب الجبهة اللبنانية إذذاك إلى الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد إنقاذ "مسيحيي" لبنان، فأرسل الأسد جيشه في الأول من حزيران العام 1976 "لمنع التقسيم".
المنقذ، إذذاك، كان قد تعهد لوزير الخارجية الأميركية هنري كيسنجر بالسيطرة على منظمة التحرير الفلسطينية، لقاء السماح له بالسيطرة على السياسة اللبنانية "لمنع قيام كوبا جديدة في المتوسط".
المهمة لم تنجز، لاعتبارات عدة ليس أقلها عدم وفاء الوكيل- المنقذ كما الموكل بتعهداتهما لبعضهما البعض.
تجددت المهمة في العام 1982. لبنان بقي ميدان الحرب، المعتدي، من وجهة نظر إسرائيل والغرب كان منظمة التحرير الفلسطينية عبر استغلال محاولة اغتيال السفير الإسرائيلي في لندن شلومو أرغوف، ومن وجهة نظر العرب كان إسرائيل. الإشكالية هي أن هوية المنقذ لم تحدد نهائيا في ذلك الوقت.
إسرائيل سعت لقضم جزء من دور "المنقذ" في لبنان، فأوحت عبر إشاعة تفشت سريعا كالنار في الهشيم مع أيام الاجتياح الأولى بأنه تم العثور على الإمام موسى الصدر سجينا في معسكر لحركة فتح في الجنوب.
بذلك، اكتسبت إسرائيل صفة "المنقذ" المزعوم، ولو مؤقتا، في أوساط الطائفة الشيعية، أو بعض الطائفة الشيعية. وعلى خلفية تلك الإشاعة تم الترحيب بالقوات الإسرائيلية في مدينة النبطية بإلقاء الأرز على جنود الاحتلال الذين ساهموا في إنهاء "الجور الفلسطيني".
وعندما انكشفت الإشاعة، ولم يظهر الإمام الصدر من معسكر لحركة فتح، انقلب الشيعة على قوات الاحتلال الإسرائيلي في ذكرى عاشوراء، وفي مدينة النبطية بالذات، عندما رجم جنود الاحتلال بالحجارة حيث كانوا استقبلوا بالأرز.
في 13 تشرين الأول العام 1990، استعادت سوريا دور "المنقذ" فدخل جيشها القصر الجمهوري اللبناني في بعبدا لإنهاء ما سمي بـ"تمرد" العماد ميشال عون، وتوحيد لبنان.
ما سلف من سرد لأمثلة يهدف إلى توضيح المشهد الآني للوضع اللبناني الذي يزداد إلتباسا عن كل المشاهد السابقة.
لبنان، حاليا، هو ميدان الحرب. هذا متفق عليه بين كل الأعداء الذين ينفون رغباتهم في شن الحرب، لكنهم يستعدون لها.
الإلتباس يبدأ مع محاولة تحديد المعتدي. وبما أن المعتدي ليس خاضعا لتعريف موحد، فإن الإشكالية نفسها تنتقل إلى الضحية على قاعدة أن لكل معتد ضحية.
المعتدي الحالي هو إما إسرائيل، من وجهة نظر البعض، أو إسرائيل "وحليفتها" المحكمة الدولية من وجهة نظر السيد حسن نصر الله، أو إيران وفيالقها الخارجية من وجهة نظر الغرب وإسرائيل. هناك بعض آخر يتحدث عن معتديين بالتساوي هما إسرائيل وإيران، ما ينتج ضحيتين أيضا بالتساوي هما الشعب اللبناني والمحكمة الدولية.
ونتيجة تعدد الضحايا نظرا لتعدد المعتدين، تنسحب الإشكالية أيضا تعددا للمنقذين على قاعدة "منقذ" محدد، لضحية محددة، ما يؤدي إلى "تنافس" القوى المعنية على الفوز بدور "المنقذ".
هنا، بالتحديد، تكمن المفارقة، وعلى هذه المسألة تحديدا يدور البحث في المنطقة، والإقليم ... والعالم.
يوحي التوجه الدعائي الإسرائيلي الأخير – منذ تصريح أشكينازي عن هدوء الجبهة وتوقع توتر في لبنان بعد صدور القرار الظني للمحكمة الدولية- بأن العدو يسعى للبس رداء منقذ المؤمنين بالمحكمة الدولية. بمعنى أنه يحاول انتظار نزاع أهلي بين مؤيدي المحكمة الدولية ومعارضيها كي يشن حربه بحيث يكون "مرحبا به" من قبل المهزومين في لبنان نتيجة الهجوم على المحكمة الدولية ومؤيديها.
الإسرائيلي يعتقد أنه إذا توافرت له مقومات الحالة المذكورة سالفا، سيتمتع أيضا بتأييد المجتمع الدولي الذي يؤيد المحكمة الدولية، كونها إحدى أدواته، وتمثل أعلى مراتب العدالة من وجهة نظر المجتمع الدولي، وما رفضها إلا رفض للعدالة الدولية وقيم العالم.
الملفت، بل المستغرب، هو أن السيد حسن نصر الله، وفي خطابه الأخير، "أهدى" إسرائيل الدور الذي ترغب فيه عبر دمجه بين القرار الظني المرتقب والقدرات التجسسية للعدو الإسرائيلي. فحقق السيد نصر الله بذلك لإسرائيل ما ترغب فيه، وأثار الذعر في مجتمع يؤيد المحكمة الدولية، ما يؤدي نظريا إلى الالتقاء مع حلم إسرائيل بنقل هذا المجتمع المذعور إلى مرحب بأي منقذ من "أيارات" الحزب غير المجيدة – طبعا من دون الوصول إلى رش الإسرائيليين بالأرز- كما دفعت إشاعة تحرير الإمام الصدر من معسكر لفتح في العالم 1982 بعض الشيعة إلى الترحيب بقوات العدو للتخلص من جور منظمة التحرير الفلسطينية.
ولا أريد أن أخوض هنا في مقارنة بين الجورين، جور منظمة التحرير الذي كان قائما في الجنوب فعلا قبل الاجتياح، وجور "حزب السلاح" القائم في غير منطقة لبنانية.
المهم، في هذا الصدد هو أن تصنيف السيد نصر الله للمؤمنين بالمحكمة الدولية في خانة الأعداء والعملاء والبيئة الحاضنة للعملاء، يتناقض مع تصريح وزير الخارجية السورية وليد المعلم الذي يقول إنه إذا اتهمت هذه المحكمة أي مواطن سوري بالضلوع في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري فإنه (المتهم) "سيحاكم في سوريا بتهمة الخيانة".
التناقض ينطلق من أن السيد حسن اعتبر المحكمة "إسرائيلية" الهوى والهوية والهدف، فيما وزير خارجية سوريا يقبل اتهاما صادرا عنها، بل يعلن استعداد سوريا لمحاكمة المتهم وفق القانون السوري.
فهل تقبل سوريا تلقي تهمة من محكمة إسرائيلية وتحاكم مواطنا سوريا بموجب اتهام إسرائيلي؟
حتما، الجواب هو كلا.
ولكن المعلم يترك فسحة للاشتباه بالمحكمة إذا استهدفت "حزبا لبنانيا"!!!
ماذا يعني هذا التناقض السوري المتعمد في تصنيف المحكمة الدولية؟!!!
وماذا يعني هذا التصنيف المعلن للمحكمة الدولية وجمهورها من قبل السيد حسن نصر الله في خانة الأعداء. بل الأصح هو أين يصب هذا التصنيف المتعمد أو إلى ماذا يؤشر؟؟؟
قد تؤشر ازدواجية الوزير المعلم المتعمدة، من ضمن أمور أخرى، إلى وجود تنافس بين القوى (إسرائيل وسوريا) على دور "المنقذ".
وقد يؤشر تصنيف السيد نصر الله الشامل إلى وجود "تناقض" بين مصالح إيران، التي يتمسك بها ويتحرك لخدمتها، والأدوار التي سيؤديها أي "منقذ"، كما والأثمان التي سيسددها أي "منقذ" لقاء تكليفه مهمة "الإنقاذ".
الحرب تبدأ لحظة الاتفاق على "منقذ" مع ما يتضمنه ذلك من اتفاق على أطر المهمة الإنقاذية والعائد المخصص للمنقذ ... أو تنفجر الحرب لحظة تقرر إيران ضرب نظرية الإنقاذ من أساسها.
سوريا فشلت في مهمة الإنقاذ في العام 1976 لعدم التزامها بنود دفتر الشروط، وإسرائيل أيضا فشلت في العام 1982 للأسباب نفسها. أما إيران فلا تضع نفسها، حتى الآن، ضمن الشركات المصنفة لتقديم عروض إنقاذ لقاء بدل أو مكسب.
الثابت الوحيد في كل المعادلة هو لبنان "الضحية" ... إلا إذا ارتأت إيران أن الوضع يتيح إضافة ضحية جديدة هي ... المجتمع الدولي. مؤشرات التوجه الإيراني تلمستها أوروبا، بدءا بفرنسا، انعكاسا للاضطرابات في منطقة عمل اليونيفل، والتي وصفها حزب السيد نصر الله بأنها "موضعية". ومؤشرات القرار الإيراني ظهّرها الوزير السابق وئام وهاب بقوله: "إن المحكمة الدولية لن تفاجئ الحزب كما يعتقد البعض، بل هو (الحزب) من سيقوم بمفاجأة المحكمة".
إنه، في كل الأحوال، سباق إلى الحرب بين "منقذين"... وأعداء.