ميرفت سيوفي
أطل أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ونفخ في رماد موضوعين طارحاً تساؤلات كثيرة حولهما، وأعلن أنه يسأل ولا يريد إجابات لأنه "عندي إجابات"، فسأل وأجاب واتهم وقال: "لا نريد أن نحاسب أحداً على النيات"، إلا أنه اتهم وحاسب وحكم وخون وهدد وتوعد، وبعد كل الذي قاله ينهض الشباب كالعادة آخذين الفم من كلامه ليشنوا حملات في شتى الاتجاهات مستخدمين "غمزه ولمزه" في الحديث عن العملاء الكبار والصغار، ولم يكتفِ بكل الرِيَبِ والشكوك والتخوين الذي ألقاه في وجه اللبنانيين، بل وضعهم أمام معادلتين.. الأولى: تفيدنا - أفاده الله - لأننا لم نكن متنبهين إلى أن أفراد حزب الله "منزهين"، والتنزيه" صفة عند أهل الإسلام يختص بها الله وحده، فهو سبحانه المنزه وحده، وما يقال في حق الأنبياء أنهم معصومون، ولم نعرف في المذهب الإمامي من يقول بغير عصمة الأئمة الإثني عشر...
إذن في المعادلة الأولى دفعنا باتجاه فهم أن الحزب وأفراده منزهون، إذا نحن نتعامل مع "آلهة" منزهة، وما تبقى من خلق الله في لبنان لا نعرف ما هو وضعهم "الإنساني" من وجهة نظر السيد؟ أما المعادلة الثانية وهي بخطورة المعادلة الأولى عندما قال: "يراهنون على مشروع إسرائيلي آخر اسمه المحكمة الدولية التي يعدون لها في الأشهر القليلة المقبلة" مستنداً إلى كلام غابي أشكينازي، وبالأمس تعكزت المنار على المحقق الدولي الأول "ديتليف ميليس" لتثبت صهيونية المحكمة الدولية التي ينتظرها اللبنانيون منذ سنوات خمس، ولن تنفع كل التهويلات في تغيير ترقبهم للقرار الظني ومعرفة الحقيقة وتحقيق العدالة...
لطالما استراب اللبنانيون من محاولات حزب الله الدؤوبة منذ محاولة تعطيل قيام لجنة تحقيق دولية، وصولاً إلى محاولات تعطيل إقرار المحكمة الدولية، ولكن لم يوجه اللبنانيون يوماً أصابع الاتهام إلى حزب الله، أما أن يُقال أن هناك مخططاً إسرائيلياً لتشويه صورة الحزب أو مقاومته، فهذا مبرر شديد الضعف من قبل حزب الله، خصوصاً عندما يجعل منه السيد حسن نصر الله ركيزة مخاطبته اللبنانيين.
وحتى لا يضحك أحد على عقول اللبنانيين ويستخف بهم وبذاكرتهم وبدماء الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إسرائيل لم تكن محتاجة الى هذه السنوات الخمس ولانتظار قرار ظني وتوالي ثلاثة محققين على لجنة التحقيق الدولية، والكم الهائل من الشائعات الذي "رشرشه" جماعة 8 آذار ومن حوله من المتخصصين في شتم المحكمة الدولية واتهامها من قبل أن تُنشأ حتى، ولا كل القال والقيل الذي طارد كلاً منهم والتهليل عند اعتذار أحدهم عن تجديد مهمته، لا من والدة ديتليف ميليس اليهودية الميتة والمدفونة في الجولان فإذا هي ألمانية وحية ترزق تعيش في ألمانيا، ولا من موت دانيال بلمار بالسرطان...
ليس صحيحاً أن إسرائيل تلفق الآن ما تلفق لحزب الله، وليست محتاجة الى تقرير "ديرشبيغل" الذي كان موقف اللبنانيين واضحاً منه، ولا لما نشرته صحيفة "لو فيغارو"، ونعود لنقول: لسبب بسيط، في 17 شباط من العام 2005 كانت كل الصحف والمواقع الإخبارية قد نقلت كلام وزير الخارجية الإسرائيلي الصادر عنه بتاريخ 16 شباط أي بعد أقل من 48 ساعة على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فوزير الخارجية الإسرائيلي سيلفان شالوم ومن لندن تحديداً صرّح، يوم كان لبنان مشغولاً بمواراة شهيده الثرى قائلاً: "أن إسرائيل لا تستبعد فرضية ضلوع حزب الله في اغتيال رئيس الحكومة السابق رفيق الحريري"، يومها كانت الدماء مازالت هناك على الطريق ولم يلتفت أحد من اللبنانيين للكلام الإسرائيلي، ولم يوجّه أحد نظرة شك إلى حزب الله -"شو عدا ما بدا" حتى يتحدثون اليوم عن مؤامرة إسرائيلية!!
إسرائيل يومها اتهمت الحزب مباشرة، بل أكثر من ذلك صحيفة "يديعوت أحرونوت" التي كثيراً ما تستند إليها المنار في بناء تقاريرها واتهاماتها نشرت على موقعها عبر الانترنت يوم الخميس في 17 شباط 2005 تقريراً ذكرت فيه:"أن شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية بلورت الأربعاء تقريراً جديداً يحمل منظمة حزب الله اللبنانية المسؤولية عن اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق، رفيق الحريري. وذلك خلافاً للتقديرات السابقة التي تحمل سورية المسؤولية عن العملية..."!!
أما الحديث عن الجواسيس، والذي اعتبره السيد العنوان الأول في كلامه عن العملاء الجواسيس والشبكات، وتساؤله: " كيف يبقى الشخص عميلاً 16 سنة و15 سنة و20 عاماً ولا يكشف؟"!!
وهذا التساؤل محق، ولكن هذا الأمان مستمد من بيئة "الأمن الممسوك" الذي كان متفرغاً للنهب المنظم عبر الصناديق السوداء، الأمن الممسوك الذي سمح لعملاء ألفا أن يسرحوا ويمرحوا منذ العام 1994 و1996 يوم كان الأمن والقضاء والتنصت على الناس وعلى الرئيس الحريري الذي قال هذا الكلام من قلب مجلس النواب وعلى الشاشات، يومها لم يكن بعد خطر ببال أو خيال أن جهازاً أمنياً اسمه فرع المعلومات سينشأ، ومع هذا لم يتساءل السيد حسن لماذا لم يكتشف جهابذة الأمن الذين أوكل إليهم أمن البلاد والعباد أثر عميل في شركة ألفا مثلاً أو التي كان إسمها سيليس عندما تأسست، ولم يتساءل لمَ استقتل "الزلمي" و"المقاوم الأول" لوضع يده على مدى 9 سنوات على وزارة الاتصالات، وقبلها 9 سنوات أخرى كانوا كلهم فيها في موقع المسؤول عن الأمن، نحن أيضاً - المواطنين - عندما يبلغ مستوى التخوين هذا الحد من حقنا أن نسأل ونتهم ومن حقنا أيضاً أن نحصل على إجابات...