عـمـاد مـوسـى
يكفي أن يكون الصحافي الأميركي اليساري الفضائحي سايمور هيرتش (73 عاماً) من المقرّبين إلى الوزير السابق ميشال سماحة والموثوق بهم من جانب "حزب الله" والمفتوحة سبلهم إلى دمشق وأن تكون مصادر معلوماته (أي هيرتش) هي نفسها التي تستشهد بموضوعيته كي يتحوّل حضرة الزميل إلى أداة دعائية تخدم الخط السياسي الهدّار المعروف بخط الثامن من آذار، والخط هذا يمثّل أقل من نصف الشعب بقليل في لبنان وأكثر من الـ97% بقليل في سورية.
ليست المرة الأولى التي يسمّ فيها هيرتش أجواء المحبة في لبنان، فسبق له أن أثار عاصفة حين نشر تقريراً حول "فتح الإسلام" إتهم فيه الولايات المتحدة وحلفاءها في الإستخبارات السعودية والباكستانية بتمويل ميليشيات سنية أصولية في لبنان وذلك قبل أشهر قليلة على حرب نهر البارد.
وآخر خبطات هيرتش ما نقله عن الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد من أن "الحرب الأهلية في لبنان تحتاج إلى أيام لتنشب وليس إلى أسابيع أو أشهر"، ورأى في المقابل أنه "لا يمكن أن يطمئن أحد بشأن أي شيء في لبنان إلا إذا غيّروا (اللبنانيون) النظام برمّته" من دون أن يحدد ماهية التغيير المطمئِن واصفاً النظام اللبناني بأنه "ولاّدة حروب".
وبمعزل عن دقة "النقل" أو كيفية ورود النص في سياق تقرير كبير صحافيي الـ"نيويوركر"، فكلام سيادة الرئيس، وتوصيفه للحال صحيح بنسبة عالية على الرغم من عدم توسع سيادته في شرح الأسباب وتنويرنا على ما لدينا من علل بنيوية وتشوهات خلقية يظهّرها النظام الطائفي البغيض مولّد الحروب.
وفي جولة سريعة على أسباب الحروب يمكن إيراد الآتي:
العامل الفلسطيني المؤثر على الداخل اللبناني بفعل عجز السلطة اللبنانية عن ممارسة دورها الطبيعي.
وجود ميليشيات مسلحة في زمن الحرب وزمن الدولة وأروّع تجلياتها الحديثة شهدناه في أحداث كانون الثاني 2007 وفي 7 و9 أيار 2008.
الخلاف الجوهري حول تاريخ لبنان وحاضره ودوره في المنطقة وفي الصراع العربي الإسرائيلي.
تنامي نزعة فوقية لدى فريق لبناني، ما جعله قوة عسكرية أقوى من الدولة ومن القانون المحلي وكل القرارات الدولية.
إتهام كل فريق لبناني للفريق الآخر بأنه أداة لفريق خارجي.
تبشير قادة الأحزاب الطائفية باللاطائفية.
عدم قناعة شريحة من اللبنانيين بقدرتهم على إدارة شؤونهم بنفسهم.
إعتماد ديمقراطية فريدة من نوعها، تشجعها طهران ودمشق، تسمح للطوائف بممارسة حق الفيتو والتعطيل وشل الحياة البرلمانية.
وسورية الخبيرة في النظام اللبناني الفريد، شاركت بدورها في استيلاد الحروب الأهلية والقومية دفاعاً عن عروبة لبنان ووحدته وعن القضية الفلسطينية.
حاربت الحركة الوطنية ثم تحالفت معها.
حاربت مع المسيحيين والمسلمين وحاربت ضدهم في زحلة والأشرفية وطرابلس وحيث وُجِدت.
حاربت مع الجيش اللبناني وحاربت ضده (أو بعض وحداته) في الفياضية (آخر السبعينات) وخاضت حرباً لإنهاء تمرّد العماد عون على النظام في العام 1990.
حاربت مع النظام اللبناني وحاربت ضده في عهود الرؤساء فرنجيه، سركيس، الجميل، ومعوّض.
حاربت سورية إسرائيل في لبنان، وهادنتها في الجولان.
ساهمت في كل حروب لبنان مباشرة وبالواسطة.
حاربت لاستمرار الصراع. حاربت لبقاء الجنوب مولّداً للتوتر.
حاربت من أجل بقاء لبنان ومقاومته الإسلامية وسلطته وسياسته الخارجية أوراقاً تفاوضية في يدها.
نعم النظام اللبناني ولاّدة حروب كما قال سيادة الرئيس الأسد لهيرتش، ومن المفيد تغييره في اتجاه معاكس شبيه بنظام حكم الحزب الواحد، حيث المخابرات الجيدة والأيدي الـ"من حديد" تدوزن الحريات وتضبط إيقاع الوحدة الوطنية وترسي دعائم الحكم وتبعد عنه خطر الحروب الأهلية.
... نيّال سورية بنظامها.
على الحركة الاستقلالية وجميع أنصار السلم في المنطقة صياغة إستراتيجية تجنّبها