بعد خمس سنوات على انطلاقها من ساحة الشهداء-الحرية، أين أصبحت الحركة الاستقلالية اللبنانية وأين أخطأت؟
منسق الأمانة العامة لقوى "14 آذار" الدكتور فارس سعيد يرى رداً على هذا السؤال ان الحركة الاستقلالية لا تزال مستمرة بروحية شعب يريد العيش في دولة قوية مستقلة. وبرغم الأخطاء أو الهفوات الماضية، إلا أن التجارب ومعرفة الخطأ وعدم تكراره تساهم في استمرار "14 آذار" وقوتها.
السؤال المطروح اليوم: لماذا لم ينجح اللبنانيون في إدارة شؤونهم بأنفسهم بعد العام 2005، وأين قصرت قوى 14 آذار خلال السنوات الخمس الماضية؟
يجيب سعيد في حديث خاص لموقع "المستقبل" الالكتروني أن قوى "14 آذار" قصّرت في استخدام وتطوير عناصر قوتها، وهي: التضامن المسيحي-الاسلامي، الرأي العام الاستقلالي والموقف العربي والدولي المساند. ويلفت إلى ان ذلك تجلى في الفترة الواقعة بين غزوة بيروت (7 أيار 2008) والانتخابات النيابية الأخيرة 7 حزيران 2009. وهذا ما دفع أمانتها العامة إلى وضع تقرير نقدي في شأن واقع الحال حذرت فيه من مغبة التمادي في التقصير.
ويرد سعيد مكامن الخلل في قوى "14 آذار" إلى الآتي:
1. بروز حسابات فئوية، طائفية ومذهبية وحزبية، داخل صفوف "14 آذار". وهذه هزت في بعض الأوقات صورة التضامن الوطني وسمحت بالتساؤل عن قدرته على الصمود طويلاً أمام الهجمة المضادة.
2. ضعف التواصل بين كتل الرأي العام الاستقلالي. واقتصار التواصل على السلوكيات الحزبية التقليدية التي يعمل كل منها في مجاله الخاص. وهذا ما بلبل الرأي العام في عدد من المحطات الرئيسة، وحرم لقاء "14 آذار" من استخدام الضغط الشعبي في مواجهات أساسية.
3. ضعف التواصل مع الإطارين العربي والدولي، وانخفاض سقف الأطروحة الاستقلالية. لذا غرق لبنان في شؤونه المحلية، بعدما كان في صدارة اهتمام العرب والعالم. وساهم هذا الواقع في جعل الداخل اللبناني طرفاً ثانوياً في عمليات البحث عن حلول ومخارج للأزمة اللبنانية المتفاقمة.
ويشدد سعيد على ضرورة قيام المبادرات التي تلبي الحاجة الماسة إلى رؤية ثقافية-فكرية-سياسية لحاضر لبنان ومستقبله. وذلك بمضامين تشاركية مع العالم العربي والمجتمع الدولي على طريق مشروع السلام الدائم، ويمكن ترجمتها في برنامج سياسي-وطني.
"14 آذار": الولادة والواقع
يشير منسق "الامانة العامة" إلى أن استقلال 2005 جاء توكيداً على الخيار الذي اتخذه البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير ما بين 1990 و2005، ألا وهو: أولوية نسج التضامن الداخلي المؤدي حتماً إلى الاستقلال، خلافاً لذلك البحث العقيم عن خلاص فئوي، أي أن لا حل مسيحياً للمشكلة المسيحية في الإطار اللبناني، بل حل وطني لمختلف المشكلات الطائفية.
ويضيف سعيد، ان حل مشكلة البيت اللبناني قائم على المعادلة التالية: التفاهم الاسلامي-المسيحي القادر على تحقيق الاستقلال. ويرى ان عوامل ثلاثة اجتمعت وتضافرت أوائل العام 2005 لتحقق الانسحاب العسكري السوري من لبنان، ولتشكل القوة الأساسية في الحركة الاستقلالية، وهي:
أولاً: التضامن المسيحي-الاسلامي، وهو ما تم نسجه بالصبر والمكابدة والايمان على مدى سنوات
الوصاية، وساهمت فيه قوى وشخصيات متعددة. وتمثل الجانب المسيحي في هذا التضامن بما يمكن أن نسميه "تيار الخيار التاريخي للكنيسة المارونية" الذي استطاع أن يضم معظم الأحزاب والشخصيات العامة المسيحية، إثر نداء بكركي في أيلول 2000، لاسيما في إطار لقاء "قرنة شهوان.
ثانياً: إن كسر الإصطفاف الطائفي أدى إلى ولادة رأي عام جديد وهوية وطنية جامعة تجسدت في أكثر من مليون لبناني احتشدوا في ساحة الشهداء-الحرية يوم الرابع عشر من آذار 2005، ومن مختلف شرائح الشعب اللبناني وفئاته، بقرار فردي وقناعة ذاتية، لا بناء على استدعاء حزبي.
ثالثاً: توفر الظروف الاقليمية والدولية المؤاتية التي تجسدت في قرار مجلس الأمن رقم 1559 بتاريخ 2 أيلول 2004، الذي قرر بشكل حاسم خروج القوات السورية من لبنان.
ويشير سعيد إلى ان الحركة الاستقلالية اللبنانية فرضت نفسها على المجتمع الدولي، شريكاً مرموقاً، لأنها أخذت زمام المبادرة وأسقطت نظاماً استبدادياً بقوة الانتفاضة الشعبية السلمية.
أما لدى سؤاله عن دور الشيعة في هذه الحركة، فأجاب سعيد: تمثل الجانب الإسلامي في بداية حركة "14 آذار" بالتيارين الغالبين في الجماعتين السنية والدرزية، وهما "المستقبل" و"الإشتراكي". أما غياب الإستقلاليين الشيعة عن تلك الصورة التمثيلية فكان مرده إلى عدم تشكلهم آنذاك في حركة سياسية منظمة، بسبب احتكار "أمل" و"حزب الله" للرأي العام السياسي الشيعي بعد الطائف.
لكن رغم غياب الإستقلاليين الشيعة عن "الصورة التمثيلية الطائفية"، بحسب سعيد، لا يعني قط انهم لم يحضروا في صورة الرأي العام الإستقلالي الذي ملأ الزمان والمكان اللبنانيين في 14 آذار 2005.
ويجزم بأن انتفاضة الاستقلال ولدت رأياً عاماً جديداً كسر القاعدة الصارمة للإصطفاف الطائفي، وأصبحت قوى "14 آذار" غير محكومة بسياق أحادي وصورة نمطية في تعاملها مع الذات ومع المعطى الوطني العام.
الرؤية المستقبلية
يرى سعيد ان لدى قوى "14 آذار" شخصية معنوية مستقلة نسبياً، وليست "رقماً" يضاف إلى الأرقام السياسية القائمة، ولا هي بديل عنها، لذا يدعو إلى دينامية عمل وتنسيق وتكامل، قادرة على التواصل مع مختلف الفئات المجتمعية اللبنانية، داخل البلاد وفي بلدان الاغتراب.
ان مبادرة من هذا النوع، بحسب سعيد، ستشكل رافعة للقوى الاستقلالية نفسها، لأنها ستحفزها على تطوير أوضاعها الذاتية بما يواكب حركة التاريخ اللبناني التي شرعت انتفاضة الاستقلال في اشتقاق مساره الجديد. لذا سيكون من شأن هذا المسار أن يؤمن للحركة الإستقلالية اللبنانية موقع الشراكة الفعلية مع العالم العربي والمجتمع الدولي.
ويرى سعيد ان مبادرة من هذا النوع ستساعد الرأي العام اللبناني الجديد على أن يشكل قاطرة العبور إلى "دولة الإستقلال" بعدما شكلت قوى الرابع من آذار 2005 قاطرة العبور إلى "استقلال دولة" لم ينجز بعد.