بشارة شربل
تكاد لا تخلو مقابلة صحافية تجرى مع سياسيين ينتمون إلى "14 آذار" أو مع أهل رأي يدّعون "الحكمة" أو "الحياد" من انتقادات لـ"الأمانة العامة" لـ"14 آذار" واتهامات لها بالتقصير أو بالتسبب بثغرات أدَّت إلى تراجع ونكسات للحركة الاستقلالية بشكل عام.
وبصراحة تامة، لم نجد يوماً أحداً من أصحاب هذا "النهج النقدي" أو من المتبرِّمين من سلوك "الأمانة العامة" أو المنزعجين من اضطرارهم إلى الإصطفاف ضمن "14 آذار" يُعلم الناس علناً بنقاط محددة، أو أخطاء تستحق النقاش، أو يفصح عن مثالب التنسيق، أو عن ارتكابات تتيح لأي مواطن مؤمن بقضية "ثورة الأرز" أن يرفع الصوت ويندد باعوجاج المسار، لا بل أن يسلخ جلد "الأمانة العامة" من الأساس.
ما وصل إلى الرأي العام منذ أنشئت "الأمانة العامة" وحتى اليوم مجموعة همهمات وملاحظات تناولت شكل التنسيق من غير أن تتحدث عن جوهر ما أو تتطرق إلى صلب المهمة التي تكونت من أجلها تلك الهيئة السياسية المنبثقة من تحالف مكونات "انتفاضة الإستقلال" ومن إرادة القوى الرئيسية فيها وقتذاك في إيجاد صلة وصل دائمة تعفي قياداتها من عناء تكرار الإجتماعات، والناجمة عن تنوع واسع لا يمكن أن تختصره الأحزاب الرئيسية في "14 آذار".
لا أحد يعمل بلا أخطاء، لكن المحاسبة تأتي على قدر توفر الظروف وتوفير الأدوات. فلا الأمانة العامة تنظيم مستقل صاحب أجندة خارجة عن إرادة مؤسسيه، ولا هي تمتلك أجهزة تنفيذية يمكن محاسبتها على تقصير في الأداء. جلَّ ما في الأمر أنها لا تستطيع أن تكون على مقاس كل حزب وتيار في "14 آذار"، وليس مفترضاً أن تكون صندوق بريد لتبادل الرسائل بين الحلفاء مثلما حصل في فترات الحَرَد وتعليق المشاركة والانسحابات. ويبدو أن الجميع استوعب اليوم ضرورة إعطائها مساحة تسمح لها بالتعبير عن "الرأي العام" الذي كان الأكثرية يوم "14 آذار" 2005 والذي سيكرر يوم "14 شباط" التزامه بمبادئ "انتفاضة الإستقلال" وببرنامج "العبور إلى الدولة" مثلما فعل على مدى أربع سنوات.
حان الوقت للتخفيف من "جلد الذات" وجلد "الأمانة العامة" على السواء. فالوهن الذي أصابها على فترات متنوعة عائد إلى الصعوبات السياسية التي مرت بها البلاد وانعكست على أطراف "14 آذار" الأساسيين خصوصاً بعد اجتياح بيروت في "7 أيار"، ثم استمرت التداعيات تنافساً على الحصص في الإنتخابات وانسحاباً جنبلاطياً بالتوازي مع الإنقلاب على نتائج صناديق الإقتراع.
ليست "الأمانة العامة" ترفاً تمارسه القوى الحزبية المؤلِّفة لـ"14 آذار". فهي حاجة ماسة كونها تملأ فراغ الرسالة التي لا يستطيع الخطاب الحزبي إيصالها إلى كل جمهور "ثورة الأرز" نظراً لتنوع مشاربه الطائفية والسياسية، ولأن القضية الوطنية تتطلب مستوى إضافياً من الخطاب قادراً على اجتذاب من لا يريد الإنتظام في التشكيلات السياسية المعروفة إما لعدم الإقتناع بكل طروحاتها أو لنشدانه صيغة أرحب لا تضيِّق عليه الخيارات.
من هذا المنطلق يفترض ترسيخ القناعة بأن صيغة "الأمانة العامة" تصير اكثر فائدة كلما عبّرت عن "الرأي العام" الواسع الذي كوَّن "14 آذار" وعن قواها السياسية من غير أن تختنق بتحاصص الأحزاب الكبرى فيها، وتصير أكثر فاعلية حين تتجاوز شرط قيامها لتعكس مصالح وآمال كل مواطن لبناني استناداً إلى ثوابت الشراكة الإسلامية - المسيحية وبما هو أبعد من منطق اللقاء الظرفي والعناوين السياسية العريضة التي تسمح كل عام بتجديد الإحتشاد.
تحتاج قوى "14 آذار" إلى تفعيل "الأمانة العامة" وتوسيع دورها بدل استسهال توجيه السهام إليها، فاللحظة الإستثنائية التي تشكلت يوم "14 آذار" 2005 هي لحظة قيد الإختبار، والرهان على تعميقها والحفاظ على ديمومتها هو رهان على وحدة لبنان وحرياته ونظامه الديموقراطي، و"الأمانة العامة" هي اليوم إحدى الصيغ الموثوقة والمتاحة لحمل أمانة توثيق عرى التحالف الذي حقق انجازات والبحث الدائم عن مشترك عام داخل "14 آذار" ومع سائر الأطراف في لبنان.