فؤاد ابو زيد
اجتماع قوى 14 آذار يوم الاحد الفائت في البريستول، فاجأ الجهات التي لطالما بشّرت واعلنت وفاة هذا التجمّع الذي قلب الحياة السياسية في لبنان رأساً على عقب، وانتج قوة شعبية ضخمة استطاعت ان تسجّل انجازات وطنية وسياسية على مستوى متقدم جداً في الاهمية، والمفاجأة لم تكن في الحشد الكثيف لقيادات 14 آذار، وحضور الرئيسين سعد الحريري وفؤاد السنيورة، بل لمضمون البيان الذي اعدته الامانة العامة للتكتل، مع التعديلات البسيطة التي ادخلت عليه، وما تتضمن من تمسّك بمبادئ 14 آذار وثوابته، والثقة الكاملة التي محضها المجتمعون لرئيس الحكومة سعد الحريري وطريقة مقاربته للعلاقات بين لبنان وسوريا وبين مختلف الافرقاء في الداخل، وكانت ذروة المفاجأة اعلان الرئيس الحريري بالثلاثة انه لن يتخلى عن الحلفاء الذين مشوا معه مسيرة الدم والشهادة والاستقلال والسيادة، طالما هو على قيد الحياة، فوضع في موقفه الحاسم هذا حدّاً، ليس للشائعات المسمومة والكلام المأجور وحسب، بل لكل خلاف يراهن عليه خصوم 14 آذار للتفريق بين حلفاء الدرب الواحد، بعدما كان النائب وليد جنبلاط طلّق 14 آذار تنظيمياً بالثلاثة ايضاً، فظنّوا ان الفرصة سانحة للانقضاض على هذا التكتل الذي عمل ليكون امينا على تطلعات الاكثرية الساحقة من اللبنانيين الذين سبقوا قادة 14 آذار الى ساحة الحرية، في الحرّ والبرد وايام الخطر والتهديدات وعمليات الاغتيال وقطع الطرقات ليقولوا للعالم كله ان الشعب اللبناني يريد السلام والامن والحرية والسيادة والقرار المستقل ولأن قياديي 14 آذار تبنّوا هذه الشعارات، وجعلوها الجسر الذي يعبر عليه المسيحيون والمسلمون الى الدولة الواحدة الموحّدة، ولأول مرة منذ عقود حصلت المعجزة، وبدأ اللبنانيون بأكثريتهم يتكلمون لغة واحدة، ويشعرون بشعور واحد، وهذا بالطبع يزعج من تزعجه وحدة اللبنانيين، ويغضب من يرفض ان تقوم قائمة لهذه الدولة المرجوة، ولذلك يكثر «المحبّون» الذين يحلمون ليلاً ونهاراً بالاساليب التي تؤدي الى تفكيك 14 آذار، ويذكّرني تصرّف هؤلاء بما قاله الشاعر الكبير نزار قباني عن لبنان في بداية الحرب التي شنّت عليه من الاشقاء قبل الاعداء اذ خاطبهم مؤنّباً: «ويحكم، ستقتلون لبنان وتندمون» و«هؤلاء الذين يعملون اليوم على قتل 14 آذار لا يعرفون مدى الاذيّة والضرر اللذين سيلحقان بلبنان فيما لو سقطت - لا سمح الله - 14 آذار، وخوف البطريرك مار نصرالله صفير قبل الانتخابات النيابية، من الوصول الى كارثة محتّمة، هو الذي دفعه الى التحذير من سقوط قوى 14 آذار في هذه الانتخابات، لانه يعرف ان صورة لبنان، لن تكون كما عرفها العالم، صورة البلد الحر المتسامح المسالم المستقل.
في حقيقة الامر، وقياساً على بعض ما قيل وكتب في وسائل الاعلام حول اجتماع البريستول، فان حملة تهبيط الحيطان على تكتل 14 آذار سوف تستمر، والمعزوفة التي سوف تعزفها الفرقة المتخصصة بالدسّ واختلاق الشائعات، بعد سقوط ورقة زرع الخلاف بين الحريري وحلفائه، هي غياب النائب وليد جنبلاط وفريقه النيابي - باستثناء مروان حماده - عن الاجتماع، وان لا قيمة لتكتل 14 آذار ولا نكهة في غياب هذا الرجل الذي تعترف 14 آذار بأن خروجه المفهوم منها هو خسارة لها، ولكنه خسارة اكبر لجنبلاط، لا لأنه خسر شعبياً وحسب، بل لانه خسر القسم الاكثر اشراقاً في تاريخ نضاله، وهو القسم الممتد من العام 2000 الى ا لعام 2008.
اذا بحثنا في اعماق من خرجوا من تكتل 14 آذار، نرَ ان مبادئ وثوابت واهداف 14 آذار متأصلة في وجدانهم، وخروجهم الجسدي، لا يعني خروجهم الفكري والروحي من هذه الانتفاضة التي غيّرت وجه لبنان وتاريخه، والشخصيات التي لم تحضر الى البريستول يوم الاحد اعرف انها كانت هناك قلباً وليس قالبا، وهذا هو المهم.
والهمّة الآن معقودة على الامانة العامة لـ14 آذار، حتى تعيد وصل ما انقطع بينها وبين شخصيات وقيادات يعتز بوجودهم وتضحياتهم جمهور 14 آذار الواسع العريض.
14 آذار باقية وعمر خصومها قصير.