نصير الاسعد
لأن ذكرى استشهاد رفيق الحريري تطلقُ كل عام مرحلة جديدة فتجعل التاريخ والمستقبل موصولَين
في البيان الصادر أول من أمس عن "لقاء البريستول" لقوى 14 آذار وأطراف في إنتفاضة 2005، دعوة الى اللبنانيين لإحياء ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط المقبل في ساحة الحرية.
من وجهة نظر الداعين الى إحياء الذكرى، ثمّة أسباب عدة للدعوة. الوفاء للرئيس رفيق الحريري ولإستشهاده من أجل لبنان وإستقلاله الثاني، هو سبب. وإستحضار الإنجازات المتحقّقة للإحتفاء بها، سبب آخر. وتأكيدُ أن حركة 14 آذار الاستقلالية باقية ومتمسّكة بمبادئها وثوابتها، سببٌ ثالث..
14 شباط وإعادة تظهير "القضية"
بيدَ أن المدعوّين الى ساحة الشهداء ساحة الحرية، اللبنانيين المدعوّين، كي "ينزلوا" في 14 شباط بقوّة، بحاجة الى سبب "فوق" كل الأسباب الآنفة. فمن وجهة نظر المدعوّين، ينبغي أن يكون يوم 14 شباط يوماً تأسيسياً لمرحلة "نضالية" جديدة. أي لا بد في ذلك اليوم من إعادة تظهير "القضية" التي يحملها الداعون الى الإحتشاد الجماهيري، "القضية" التي يدعون اللبنانيين الى الإستمرار في حملها. فتحتَ عناوين الوفاء للرئيس الشهيد والتذكير بالإنجازات والتأكيد على البقاء، قد يصبح يوم 14 شباط يوماً لـ"ذكرى من التاريخ"، يوماً لإستذكار صفحة ماضية. في حين أن إعادة تظهير "القضية" تجعل الذكرى تاريخاً ومستقبلاً موصولَين.
وكي يُمكن تظهيرُ "القضية" من جديد، لا مفرّ من إعتراف "الداعين" معظمُهم أو بعضُهم لـ"المدعوّين" بما الذي أدى الى الإرتباك بل الإحباط الذي أصاب الحركة الإستقلالية.
"الأداء" حوّل 7 حزيران الى "آخر إنتصار"
بعد 7 حزيران، تاريخ "آخر" إنتصار لـ14 آذار في الإنتخابات النيابية، صارت 14 آذار تواجه إرتباكاً في إثر إرتباك.
مساء 7 حزيران، ومن موقع إنتصارها ديموقراطياً في الإنتخابات، عرضت 14 آذار بلسان زعيم أكثريّتها سعد الحريري على الفريق الآخر تشكيل حكومة إئتلافية. لكنها، ومنذ تلك المبادرة، بل منذ تلك اللحظة، غدت في موقع دفاعيّ.. في موقع ردّ الفعل.. في موقع التراجع وتلقّي "الصدمات". وهكذا بعد أن بدأت مبادِرةً الى طرح الحكومة الإئتلافية أصبحت تلاحقُ قيامها بتنازلات ربما متسرّعة، في ظلّ هجوم مضادّ عليها من جانب الفريق الآخر.
بالتأكيد، إن "المدعوّين" الى 14 شباط، أي جمهور 14 آذار ورأيها العام، إن هؤلاء لم يكن لديهم في ذلك الوقت، وليس لديهم الآن بمفعول رجعيّ، إعتراضٌ على تشكيل حكومة إئتلاف وطني، بل إن هؤلاء يعلمون أن حكومة الإئتلاف الوطني كانت الخيار الواقعي، أي الفعلي. غير أن الإعتراض كان في ذلك الوقت، ولا يزال اليوم، على الأداء الذي يُربك ويفكّك ويُحبط.
تبدّل الخطاب السياسي
ما تقدّم مثال. لكن تجنباً لـ"التفصيل المملّ"، لا بد من الإشارة الى أن "الخيط" الذي يربط الشهور الثمانية المنصرمة منذ "الإنتصار الأخير" في 7 حزيران، هو أن الخطاب السياسي لـ14 آذار شهد بعد تبدّل خطاب بعض أركانها "السابقين" تبدّلاً لافتاً من مضمون الى آخر. لم يقتصر الأمر على تبدّل في النبرة، أو على "صياغات" مختلفة، أو حتى على إعادة ترتيب في الأولويات. صار الخطاب الجديد "عمومياً" بنسبة كبيرة.قيلَ إن متغيرات حصلت على مستويات عدة. متغيرات تحت عنوان أن ثمة مصالحات داخلية تمّت وأن التوجه الوفاقي جماعيّ في البلد، وأن الاستقرار تالياً هو أولوية الأولويات. ومتغيرات تحت عنوان أن ثمة مصالحات عربية عربية حصلت وأن لبنان لا بد أن يواكبها تحصيناً لإستقراره.
غير أن التبدّل في الخطاب السياسي لم يقترن بشروح وافية للمتغيرات ومقتضياتها ومترتّباتها. وهنا أيضاً، لم يكن لدى "المدعوّين" الى 14 شباط خلال الفترة الماضية وليس لديهم الآن بمفعول رجعي، أي إعتراض مبدئي على إحداث تبدّلات على الخطاب السياسي بما في ذلك مضامينه، إذا كان التبدّل مؤسساً على قواعد صلبة أو متينة، لكن لدى هؤلاء إعتراضاً على ما يشبه "إنمحاء" المضامين الفعلية للخطاب، خصوصاً في ظلّ الهجوم المستمرّ على 14 آذار من جانب الفريق الآخر الذي لم يبدّل في مضامين خطابه شيئاً، لكأنما المتغيرات واقعةٌ على 14 آذار فقط، وهو الهجوم المستمر الذي يسعى الى تصوير 14 آذار وكأنها باتت صفحة من الماضي.
"القضية" و"الإستقرار"
بكلام آخر، إن رأي عام 14 آذار، لن يتأخر في تلبية النداء الى النزول الى ساحة الحرية في 14 شباط المقبل. لكن حوافزه ستكون أكبر إذا استطاعت 14 آذار أن تُعيد الاعتبار الى حقيقتَين كبيرتَين.
الأولى أن "القضية" التي حملتها 14 آذار منذ خمس سنوات لا تزال مستمرّة الى أن تُنجز، بما هي قضية إستكمال الاستقلال الثاني الذي لم يصبح معطى ناجزاً بعد، وبما هي قضية قيام الدولة، وبما هي قضية إستواء العلاقات اللبنانية اللبنانية الداخلية على سياق ميثاقي وديموقراطي. وحتى العلاقات اللبنانية السورية التي أراد الرئيس سعد الحريري بزيارته الى سوريا، أن يفتح صفحة جديدة فيها، تحتاج الى "أصحاب القضية" لتطويرها وتمتينها.
بين التمسّك بـ"الإستقرار" أو "الهدوء" أو "الوفاق" أو المسار السياسي السلمي وبين الإستمرار في "القضية"، ليس ثمة تناقضٌ. بل لعلّه يمكن القول إن الجمع بين "التمسّكَين" إنما هو "فنّ" سياسي في حدّ ذاته.
إذاً، في 14 شباط المقبل، فرصةٌ للبنانيين الذين سينزلون الى ساحة الشهداء، والذين سيلبّون نداء الذكرى، ليقولوا إنهم أقوى من الكبوات، وأن لا طريق للإحباط الى قلوبهم.. وعقولهم. وفي 14 شباط المقبل فرصةٌ لتغليب الأهمّ على المهم والمهم على الأقل أهمية. فرصةٌ لتأكيد أن "القضية" قائمة.. فرصةٌ لـ"الإفتخار" بأن ما صنعوه يستحقّ التذكّر، إذ انتزعوا إستقلالاً ثانياً ومحكمة دولية لمعاقبة القتلة والمجرمين. وفرصةٌ لـ"تجليس" الخطاب السياسي. فدماء رفيق الحريري أضاءت طريق الاستقلال وذكرى دمائه في كل عام تضيء مرحلة جديدة في ظلّ الشراكة الإسلامية المسيحية.
وفي 14 شباط المقبل فرصة تواصل بين قيادات 14 آذار ورأيها العام الواسع العريض. بهذا التواصل، بل به فقط، تكون 14 آذار بألف خير.