لم تسعى الجهات النافذة طوال 15 عاماً من مرحلة الوصاية الى وضع ايّ من التعديلات الدستورية الواردة في الطائف موضع التنفيذ ؟ على الرغم من الإمكانيات الحاسمة التي كانت متوفّرة لديها، وكانت تكتفي بمقاربة خجولة لموضوع إلغاء الطائفية السياسية فقط في مواجهة الأصوات التي كانت تنادي بتطبيق البنود السيادية : من نزع سلاح الميليشيات، اللبنانية وغير اللبنانية، وإعادة إنتشار القوّات السورية الى الشمال والبقاع تمهيداً لإنسحابها النهائي كما نصّ الإتفاق – الدستور .
ولم تعمد هذه الجهات الى وضع قانون إنتخابات تبعاً لما هو وارد، وفيه إعتماد المحافظة، بعد إعادة النظر في تقسيماتها الإدارية، بما يجعلها اصغر من ما هو موجود قبل الطائف، واكبر من القضاء الذي اعتمد في قانون 1960 وفي الجولة الإنتخابية الأخيرة ؟ !
ولم يتحدّث احد يوماً بجدّية عن تخفيض سنّ الإقتراع ؟ وقد كان بإمكان النظام الأمني المشترك تمريره (على اهون سبيل) في اكثر من محطة ومناسبة ؟ !
وبالمختصر المفيد فإنّ كلّ ما تمّ بين إقرار الوثيقة في آواخر العام 1989 والخروج السوري من لبنان في العام 2005 كان محاولة " ضبط إيقاع " كلّ الحركة السياسية والأمنية والخارجية بما يوصل الى جعل وطن الأرز إقليماً سورياً يديره " والي عنجر " نيابة عن الباب العالي والصدر الأعظم المقيمان في دمشق ؟ !
ومنذ 8-3-2005 يحاول محور الممانعة (بالإنفراد او بالإجتماع) بالسياسة او بالتهويل وإعتماد القوّة، بالإعتكاف او بالإستقالة والتبليط في قلب العاصمة، او بالنزول الى الشارع (23 ك2 2007) بالغزو المسلّح او بالتوافقية العددية، تحويل حزب الله الى ضابط إيقاع آخر يتولّى إعادة عقارب الساعة الى الوراء ومتابعة التطبيع والتطويع من هناك ؟ !
ولا يستقيم إنتقاء بنود واردة في الوثيقة – الدستور والسعي الى إقرارها بالإرغام، لأن إعتمادها بالتوافق والحوار يستوجب ان يتذكّر الجميع مقدمة الطائف التي شددت على المناصفة والتعايش والعيش المشترك، وهذه كلّها ترسم ما يلي :
1 ـ في تخفيض سنّ الإقتراع : انّ يتزامن ويترافق مع إعطاء المغتربين حقّ الإنتخاب في آماكن إنتشارهم، وإستعادة الجنسية لمن يحقّ له بها، وإسقاطها عن الذين لا يعرفون لبنان الاّ في يوم الإقتراع فقط حيث يأتونه بالباصات من مغترباتهم القريبة والشقيقة ! ويعودون في نفس اليوم الى حيث ولدوا وعاشوا خارج لبنان !.
2 ـ في موضوع إلغاء الطائفية السياسية : وشرطه الأول سيادة الدولة على كلّ ارضها وإيجاد حلول للسلاح غير الشرعي (اللبناني وغير اللبناني) وقانون عصري للأحزاب، على ان تبدأ عمليّة الإلغاء، بعد هذه الشروط كلّها، من أسفل الى أعلى وذلك بإعتماد آلية واضحة ومكتوبة للتعيينات الإدارية تقدّم الكفاءة والعلم على كلّ ما عداهما .
3 ـ إقرار اللامركزية الإدارية في أوسع صيغها، بحيث تحفظ خصوصيات المكوّنات اللبنانية في آماكن أكثريتها وتسمح لها بممارسة حرّياتها الدينية والسياسية والإجتماعية كاملة، كما تنصّ كلّ الدساتير المتطوّرة المعتمدة في دول العالم الراقي .
4 ـ إعتماد قانون إنتخابات عصري يستحسن له ان يكون على قاعدة الدائرة الصغيرة بحيث يعرف ناخبوها مرشحهم ويوصلونه بأصواتهم وحدهم، ويحاسبونه عند المحطات المفصلية .
ويبقى انه خارج هذه المسلّمات الثوابت، فإنّ محاولات ضبط إيقاع لبنان وفق أجندات إقليمية مختلفة لن يؤدي الاّ الى توتّر داخلي ومشاكل ومتاعب، قد يتهيّأ للبعض انه قادر على الحسم فيها ؟ قبل ان يكتشف ان ما يراوده اوهام يبنيها على باطل، وان كلّ ما يبنى عليه فهو ... باطل ايضاً .