محمد سلام
لماذا يرفض "حزب السلاح" أن يقتنع بحقيقة ساطعة واضحة لا لبس فيها، وهي أن الحكومة اللبنانية ليست جهازا في خدمته يستطيع استخدامه لأغراضه، ولمسح أخطائه وخطاياه؟
السؤال ليس تحاملا على الحزب المذكور، ولكنه إنطلق من تصريح مستفز لنائبه علي فياض الذي دعا الحكومة اللبنانية إلى "تحمل مسؤوليتها" في ما خص موضوع خلية "حزب السلاح" التخريبية في مصر معتبرا أنها، أي الخلية، "ليست مسألة تختص بحزب الله ويجب التعاطي معها كقضية وطنية".
بل أكثر من ذلك. إستبعد النائب فياض أن "لا يكون رئيس الوزراء الشيخ سعد الحريري قد أثار موضوع خلية "حزب الله" مع المسؤولين في مصر، ومن غير الطبيعي أن لا يثير الموضوع، خصوصاً أن المصري لا يتعاطى بحياد قضائي والإتهام مبالغ فيه والقضية ليست بهذا الحجم".
الرد على إمكانية تدخل دولة الرئيس الحريري في مسألة خلية "حزب الله" جاء على لسان رئيس الوزراء شخصيا بعد اجتماعه إلى الرئيس حسني مبارك.
قال الرئيس الحريري ردا على سؤال: "هذا الموضوع في يد القضاء المصري الذي نحترمه، وهذا شأن مصري بحت ونحن لن نتدخل بأي شأن قضائي مصري، فللقضاء ان يعالج هذه القضية ونحن لن نتدخل".
كان فياض يعلم، على الأرجح، أن الرئيس الحريري لن يثير موضوع خلية "حزب السلاح"، ومع ذلك أصر على الإعلان بأنه، وفق رأيه، "من غير الطبيعي" أن لا يثار الموضوع.
الحقيقة هي أنه من غير الطبيعي كما من غير المنطقي وغير اللائق وغير الأخلاقي أن يثار موضوع الخلية من قبل مسؤولين لبنانيين مع مسؤولين مصريين. فقد سبق لرئيس المجلس النيابي نبيه بري أن حاول إثارة موضوع إبعاد لبنانيين من دولة الإمارات العربية المتحدة على خلفية شأن له علاقة بالأمن القومي الإماراتي، فعاد إلى بيروت خائبا، خالي اليدين.
يدرك "حزب السلاح" أن القوى السياسية المشاركة في الحكومة اللبنانية تآلفت، سلبا وإيجابا أي رفضا وقبولا، على ما ورد في بيانها الوزاري... فقط، ولا يتضمن هذا التآلف أي عنوان آخر...
والحزب المذكور يدرك، كما تدرك بقية القوى السياسية المشاركة في الحكومة وكما يدرك الرأي العام اللبناني، أن البيان الوزاري الذي نالت الحكومة على أساسه ثقة 122 نائبا لم يتضمن أي تبن لقضية الخلية التخريبية في مصر.
ويعلم "حزب السلاح" أيضا أن لبنان ليس في وارد تحمل تبعات ما قامت به خلية الحزب المذكور في مصر، وليس في وارد التدخل في شأن سيادي مصري، وخصوصا أن القضاء المصري وضع يده على القضية، مع تشديد السلطة المصرية على أنها ستبني موقفها السياسي النهائي من الحزب المذكور في ضوء حكم القضاء المصري.
ويعلم "حزب السلاح" أيضا وأيضا أن الحكومة اللبنانية السابقة برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة قصّرت في معالجة الجذر اللبناني لقضية الخلية التخريبية في مصر. فلم تقارب مواضيع تزوير وثائق السفر اللبنانية، والتلاعب بسجلات نفوس المواطنين اللبنانيين، والإساءة إلى سمعة شرائح كبيرة من الشعب اللبناني عبر استخدام أسمائها وأسماء عائلاتها في أعمال مزورة ومهام غير قانونية على أراضي دولة ذات سيادة.
لماذا يصر "حزب السلاح "على إلصاق مشاكله بالشعب اللبناني إلى حد اعتبار أن ما قامت به خليته في مصر هو "قضية وطنية" وفق تعبير النائب الكريم علي فياض؟
أين الوطنية من توريط لبنان في مسألة أقل ما يقال فيها إنها تعد على سيادة الدولة المصرية؟
أين الوطنية اللبنانية في اعتبار أن من حق أي حزب مسلح في أي مكان في العالم أن يحول وطنا إلى ساحة يلعب فيها كما يشاء... وساعة يشاء؟
ألا يكفي الشعب اللبناني ما أثقله به "حزب السلاح" من إساءات في ما يتعلق بتزوير وثائقه الرسمية واستخدام المزور لأغراض وأهداف غير قانونية، فيسعى النائب فياض إلى إلصاق صفة الوطنية بهذه الأعمال؟
ربما وقع "حزب السلاح" في التباس، فاعتقد للحظة أن حكومة لبنان هي حكومة "حماس" المقالة برئاسة إسماعيل هنية في "إمارة غزستان"، ويستطيع استخدامها للتهجم على مصر إلى حد اتهامها بعدم التعاطي "بحياد قضائي" مع خليته السيئة الصيت وتضخيم الاتهامات الموجهة إليها.
"حزب السلاح" أصيب أيضا بالالتباس فاعتقد أن لبنان هو "إمارة غزستان"، لذلك سمح النائب فياض لنفسه وفي التصرح إياه بالقول إن "كل المقاربة المصرية في موضوع غزة والتحديات في المنطقة تتم بطريقة تستدعي الأسف".
ن غير المنطقي، ومن غير القانوني أيضا، أن يدلي نائب لبناني بتصريح يسيء إلى علاقات لبنان بدولة عربية شقيقة، بل بكبرى الدول الشقيقة.
قد تكون الحكومة اللبنانية مدعوة فعلا إلى تحمل مسؤولياتها الحقيقية في وضع حد لمحاولات هذا الحزب الإساءة إلى سمعة الدولة والشعب اللبناني سواء عبر التدخل في الشأن السيادي للدول التي تريد منع إلتقاط إرسال تلفزيون "المنار" في أراضيها أو محاولة إلصاق آثام "حزب السلاح" بالدولة اللبنانية وشعبها الذي يدفع وحده ثمن مقامرات الحزب المذكور باستقراره وسمعته وعلاقاته.
وعلى "حزب السلاح" أن يدرك أن الحكومة اللبنانية ليست جهازا تابعا له ويعمل بإمرته. الحكومة هي حكومة كل لبنان و"حزب السلاح"، حتى الآن، ليس كل لبنان على الرغم من نشر سلاحه في معظم لبنان.
واحة هي أم قلة إدراك محاولة النائب فياض توريط الحكومة اللبنانية في غسل خطايا "حزب السلاح"؟