نصير الاسعد
مواقفُه تعني أن القرار السوري حول المعسكرات والسلاح لم يصدر "بعد".. وتطرح أسئلة عن "سرّ" الحملة على الـ1559
لا يُخطئ اللبنانيون ـ معظمهم ـ في قراءة مواقف أمين سر ما يُسمى "فتح الانتفاضة" أبو موسى، من "زاوية سورية".
فأن تكون العلاقات اللبنانية ـ السورية قد وضعت بالفعل على سكة التصحيح، أو أن تكون هذه العلاقات قد شهدت تحسّناً وتطوّراً حتى، فذلك لا يلغي "الحقائق" السياسية، التاريخية منها بشكل خاص.
من هذه "الحقائق" أن "فتح الانتفاضة" سورية المنشأ والولادة، كونها في الأصل إنشقاقاً سورياً داخل حركة "فتح"، وضد القرار الوطني الفلسطيني المستقل. ومن هذه "الحقائق" أيضاً أن "فتح الانتفاضة" فصيلٌ سوري الولاء عبر كل المراحل منذ العام 1983 وحتى اليوم.
من "الزاوية السورية": لا قرار سورياً "بعد"
بهذا المعنى، فأن يقول "أبو موسى" ما قاله، فذلك يعني أنه يُعبّر عن موقف لا يتعارض مع السياسة السورية، المباشرة على الأقل.
ليس هناك قرارٌ سوري "رسمي" بالسير في إنهاء السلاح المسمى فلسطينياً خارج المخيمات وفي إقفال معسكرات الفصائل الموالية لسوريا على الأرض اللبنانية، ويأتي "أبو موسى" لـ"يتمرّد" على هذا القرار من لبنان. لو كان ثمّة قرارٌ سوري لكان على "أبو موسى" و"من يشبهه" تنفيذ هذا القرار حكماً.
في الدلالة السياسية السورية إذاً أن دمشق، في "الحد الأدنى"، لم تقرّر "بعد" فتح هذا الملف على النحو الذي يستجيب لما قرّره الإجماع اللبناني منذ العام 2006، ويستجيب لمطالبة الحكومة اللبنانية بإسم الإجماع الوطني. وفي "الحد الأدنى" أيضاً، أن "أبو موسى"، بما أن القرار السوري لم يصدر "بعد"، وليس موضوعاً على النار "الآن" من جانب دمشق، يحاول أن "يلعب" في الوقت "الضائع".
ليس سهلاً تقدير ما إذا كان لدى القيادة السورية موقفٌ غير "الحد الأدنى" المشار إليه آنفاً، أي ما إذا كان الأمر "أكبر" من مجرّد تقدير سوريا للتوقيت المناسب لها لفتح الملف موضوع البحث. لكن من المؤكد في المقابل ـ تكراراً ـ أن "أبو موسى" هو "أقل" مِن أن يتجرّأ على قرار سوري لو كان مأخوذاً، وهو في مثل هذا الوضع ـ أي عدم وجود قرار سوري ـ يحاول إنتزاع موقع له في معادلة الوضع الفلسطيني في لبنان، وقد يكون ذلك مأذوناً له سورياً، خصوصاً أن سوريا طرفٌ في الصراع الفلسطيني ـ الفلسطيني حتى إشعار آخر..كما قد يكون مأذوناً على خطّ المشاغبة على الوضع اللبناني نفسه.
تزامن "أبو موسى" مع الحملة على الـ1559؟
وفي انتظار ما يساعد على تقدير أدقّ وأوسع لـ"الزاوية السورية" في مواقف "أبو موسى"، أي في انتظار معرفة ما إذا كان للأمر صلةٌ بالعلاقات السورية ـ اللبنانية وكيف أو ما إذا كانت له صلة بالعلاقات السورية ـ الفلسطينية، أو ما إذا كانت له صلة بمعطيات إقليمية معيّنة أو بكل ذلك معاً، وفيما الشيء الوحيد المؤكد الآن هو أن القرار السوري بمساعدة الدولة اللبنانية على إنهاء السلاح والمعسكرات خارج المخيمات غير متّخذ بعد.. فإن ما قاله "أبو موسى" هو برسم كل الذين ـ من داخل لبنان خصوصاً ـ حملوا في الآونة الأخيرة على القرارات الدولية، لا سيما القرار 1559، وصولاً الى اعتباره لاغياً أو مِن لزوم ما لا يلزم.
بطبيعة الحال، سواء كان "أبو موسى" أتى أو أرسل الى لبنان ليقول ما قال، فإن مواقفه تزكّي التمسّك الذي أبداه فرقاء 14 آذار بالقرار 1559، وتزكّي اعتبار أن الـ1559 لا يزال غير منفّذ بالكامل، لا سيما نصّه على نزع سلاح الميليشيات غير اللبنانية.
غير أن "تزامن" كلام "أبو موسى" مع الحملة على القرارات الدولية، يقود الى طرح عدد من الأسئلة الرئيسية.
ما العلاقة بين رفض "أبو موسى" نزع السلاح خارج المخيمات والحملة على ال 1559 التي تعتبره قرارا منتهياً؟
هل يدعم موقف "أبو موسى" مضمون الحملة المذكورة؟ أم أن المقصود القول إن "الأمر الواقع" أقوى من الشرعية الدولية وقراراتها؟..
ما العلاقة بين المعسكرات وترسيم الحدود؟
ثم ما علاقة ازالة المعسكرات خارج المخيمات بترسيم الحدود اللبنانية ـ السورية المشتركة، وقد سبق ان طرح ذلك من جانب حلفاء "أبو موسى" في لبنان ممن يساوونه في دمشق؟
وهل ثمة، بعد الحملة على ال 1559، استهداف للقرار 1680 الذي يطالب الحكومة السورية بترسيم الحدود مع لبنان من جهة ويدعم قرار طاولة الحوار 2006 بنزع سلاح الميليشيات الفلسطينية خارج المخيمات من جهة ثانية؟
هل من نية لـ "حصار" الـ1701؟ هل هناك "شيء ما" في ما يتعلق بالحدود اللبنانية بقاعاً؟ وما هو هذا الشيء؟ هل من خطة في مكان ما ل "التحرر" من القرارات الدولية وفرض أمور واقعة"؟
مذكرة توقيف "دائمة"
على ان اي مقاربة لما قاله "أبو موسى" ودلالاته، لا تستوفي اغراضها ما لم يتم التطرق الى أمر سيادي ـ قانوني في هذا المجال.
من المستغرب جداً، على خلفية الدور الذي كان لما يسمى "فتح الانتفاضة" في انشاء ما يسمى "فتح الاسلام"، وفي ضوء إرهاب "فتح الاسلام" في مخيم نهر البارد وعلى الأراضي اللبنانية، ان يكون دخول "أبو موسى" الى لبنان ـ من أي حدود أتى - ممكناًَ ومتاحاً. ومن المستغرب جداً الا يتم توقيفه بعد دخوله اي بعد العلم بدخوله.
ومن المستغرب تماماً، على خلفية كون منظمته ولاّدة "فتح الاسلام" وشاكر العبسي، وعلى خلفية ما أدلى به ـ على أرض لبنان ـ من مواقف ضد السيادة اللبنانية والوفاق اللبناني، والأمن والاستقرار في البلد، والأخوّة اللبنانية ـ الفلسطينية، الا تصدر بحقه مذكرة توقيف قضائية "دائمة".
على "أبو موسى" ان يعرف انه شخص غير مرغوب فيه. وحسناً فعلت "كتلة المستقبل" النيابية في بيانها الصادر اول من أمس اذ دعت السلطات اللبنانية الى "التنبه لما قد يحاك للبنان، والعمل على إتخاذ الاجراءات التي تحول دون تكرار هذه الظواهر المهددة للأمن الوطني ولسيادة لبنان".