نادر فوز(الاخبار)
تحدث أمس النائب السابق فارس سعيد عن أهمية التضامن المسيحي ـــ الإسلامي وعن الرأي العام وعن المناخ الخارجي، الذين سمحوا مجتمعين بإطلاق حركة الاستقلال في 14 آذار 2005. وبالطبع لم تسلم الأكثرية من نقد سعيد الذي أشار إلى المصالح الحزبية وحالات الإقصاء والتقصير
ربما تأخّر الوقت بعض الشيء على قوى 14 آذار لتقدّم تقويماً ذاتياً للنجاحات والإخفاقات التي رافقت هذا الفريق منذ 14 آذار 2005. فقد عبّر أحد المكوّنات الأساسية لهذا الفريق صراحة عن عدم موافقته على البرنامج السياسي السابق لهذه القوى، وضرورة تعديل عدد من القراءات التي كوّنت مرتكزاتها، فيما المكوّن الأساسي الآخر بات مكبّلاً في الرئاسة الثانية، لا يكترث للقرارات السياسية «الصغيرة»، ويبتعد كل البعد عما يمكن أنّ «يزكزك» الخصم السابق والشريك الحالي.
ورغم كل ما يحكى ويتناقل عن سقوط هذا الفريق وانتهاء مفاعيل «انتفاضة الاستقلال»، لا يزال ثمة من يتشبّث بهذا التجمّع، يدافع عن قرارته وسياساته السابقة ويقدّم النقد الذاتي اللازم لتفادي الوقوع في الأخطاء نفسها. بهذه الروحية حضر أمس أمين سرّ الأمانة العامة لقوى 14 آذار، النائب السابق فارس سعيد، إلى مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية.
تحدّث سعيد عن انطلاقة هذه الحركة، وأشار إلى ثلاثة عوامل اجتمعت لتنتجها؛ أشار أولاً إلى وجود التضامن المسيحي ـــــ الإسلامي، «تيار الخيار التاريخي للكنيسة المارونية» من جهة، و«التياريان الغالبان في الجماعتين السنّية والدرزية»، أي تيار المستقبل والحزب الاشتراكي من جهة أخرى. وعن غياب ممثلين للطائفة الشيعية، أو غياب «الاستقلاليين الشيعة» فيعود إلى «احتكار أمل وحزب الله للشيعية السياسية»، مقرّاً بأنّ 14 آذار قصّرت في دعم إنشاء إطار سياسي مذهبي منافس لتلك الثنائية (أمل ـــــ حزب الله).
ثم انتقل سعيد إلى الحديث عن العامل الثاني، وهو «ولادة رأي عام جديد وهوية وطنية جامعة»، بحيث إن «الرأي العام تجسّد «في أكثر من مليوني لبناني احتشدوا في ساحة الشهداء»، فيما تمثّلت الهوية الجامعة في «كون المحتشدين عبّروا بوضوح عن اندماج غير مسبوق عابر للطوائف والمناطق والأحزاب».
أما العامل الثالث فهو توافر الظروف الإقليمية والدولية المؤاتية، وأوّلها صدور القرار 1559، بحيث أكد سعيد أنه كان «سيكون مأخذاً على الحركة الاستقلالية لو أنها تخلّفت عن استثمار هذا المعطى الموضوعي».
في هذا التقديم لحركة 14 آذار، ثمة مجموعة من النقاط التي تستوجب التعليق عليها، وأولاها تخص التضامن المسيحي ـــــ الإسلامي، إضافة إلى كون هذا التعبير يكرّس مفهوم الطائفية والمذهبية السياسيّتين، فهو ينفي إمكان وجود آراء مختلفة داخل الطوائف، ففيه عودة إلى عقود العشرينيات والثلاثينيات والحديث عن رأي الطائفتين المسيحية والإسلامية، بعيداً عن أي حديث عن مواقف حزبية أو وطنية أو معايير سياسية بحتة يمكن إيجادها.
وفي موضوع تكوين الرأي العام، يعارض ما طرحه سعيد حقيقة جمهور القوى والطوائف، بحيث إنّ جزءاً لا بأس به من الجمهور الذي احتشد في ساحة الشهداء في 14 آذار 2005، أصبح اليوم خارجها، أكان جمهور التيار الوطني الحرّ أم جمهور الحزب التقدمي الاشتراكي.
كذلك فإنّ الهوية الجامعة التي تحدّث عنها سعيد سقطت في النقاشات الداخلية بين قوى وشخصيات 14 آذار قبيل الانتخابات النيابية الأخيرة.
في شقّ آخر عن تقصير 14 آذار وإخفاقاتها، أشار سعيد إلى تقرير داخلي رفعته الأمانة العامة ووزّعته على القوى والشخصيات المعنية، محاولة تحديد مكامن الخلل. وتضمّن هذا التقرير المرفوع في 28 تشرين الأول 2008، أي بعد اتفاق الدوحة، ثلاث نقاط أساسية، أولاها «بروز حسابات فئوية طائفية ومذهبية وحزبية هزّت في بعض الأوقات صورة التضامن الوطني». والثانية، «ضعف التواصل مع الرأي العام، باستثناء المسالك الحزبية التقليدية». والثالثة، «ضعف التواصل مع الإطارين العربي والدولي وانخفاض سقف الأطروحة الاستقلالية». كذلك طرح التقرير مجموعة من النقاط للتخلّص من «الاسترخاء» الحاصل واسترجاع روح المبادرة بعد تراجع الأكثرية وحصر نشاطها في ردّ الفعل السياسي.
وإضافة إلى هذه الملاحظات التي رفعتها الأمانة العامة، أشار سعيد إلى أنّ تجربة الانتخابات الأخيرة تخلّلها الكثير من الشوائب، منها استبعاد «السلوك الجبهوي»، وإقصاء عدد من الشخصيات، «فيما ترفّع عدد آخر، أو قيل من القرف، كذلك انسحبت شخصيات أخرى اعتراضاً».
هذا في ما يخصّ الانتخابات. أما في مرحلة ما بعدها، فقال سعيد إنه «في ضوء التقصير والتفريط، تبدو الصورة مشوّشة، وقد جاء التقارب السوري ـــــ السعودي ومفاعيله ليزيدا الصورة التباساً».
ويرفض سعيد أي حديث عن تدهور 14 آذار وسقوطها. عاد ليقوّم حالة العوامل الثلاثة التي تحدث عنها في بداية الندوة: «التضامن الإسلامي ـــــ المسيحي ما زال متوافراً، رغم انسحاب وليد جنبلاط منه»، «والرأي العام الاستقلالي، رغم تقصير قيادة 14 آذار، لا يزال على ثباته وحيويته»، كذلك فإنّ «الدعم الدولي والعربي لاستقلال لبنان، رغم تزايد التعقيدات من حولنا، لا يزال قائماً بالدرجة الكافية». واليوم «الصحة مقبولة، إن لم تكن على ما يرام».
تحدّث سعيد عن كل هذه الأمور، وقال إنه بعد 7 أيار «بات للشريك المسلم في 14 آذار همّاً أمنياً، فيما سقط مسيحيّو 14 آذار في الحسابات الانتخابية».
إلا أنّ سعيد لم يتحدث عن أسباب تقاعس قوى الأكثرية في اللحظات الأكثر سخونة في الفترة السابقة. لماذا لم يُسقطوا الرئيس إميل لحود؟ ولماذا لم يسيروا في «النصف زائداً واحداً»؟ ولماذا عجزوا عن عقد جلسات نيابية برئاسة نائب رئيس مجلس النواب؟ ولماذا لم يستطيعوا تأليف حكومة أكثرية وفق ما ينصّ عليه المبدأ الديموقراطي؟ ولماذا لم يتمكّنوا من استرجاع المفقودين اللبنانيين في سوريا؟
وبالتأكيد السؤال الأهم الذي لم يجب أحد من الأكثريين عنه حتى اليوم: لماذا لم يتمكّن تجمّع 14 آذار من المحافظة على قوّته؟ أو على الأقل لماذا لم يتمكّن من المحافظة على جسمه الموحّد؟