الشراع - حسن صبرا
القضية المركزية عند حزب الله، هي سلاحه والتمسك به بما يعادل التمسك بالحياة نفسها، فهو سبب قوته السياسية، وأداته لإرعاب بقية قوى الوطن، بما أتاح له الإمساك بقرار الدولة اللبنانية، وإخضاع الشارع السياسي، وتكريس التبعية الفعالة للنظام الإيراني.
والقضية المركزية عند أكثرية اللبنانيين - عدا الملتحقين بحزب الله - هي نزع سلاح هذا الحزب واستعادة الدولة لقرارها، واستعادة الشارع الوطني لحريته وحيوية حركته، وتنفيذ السياسة التي تخدم مصالح اللبنانيين، وليست مصالح غيرهم أياً كانوا.
كل المحاولات الجدية والصادقة للتوفيق بين سلاح الحزب وسلاح الدولة، سقطت، فالحزب لا يقبل أبداً أن يتحول سلاحه إلى مواجهة العدو على الحدود المرسومة معه بعد القرار 1701 فقط، وهو يصر على جعله أداته الأساسية في تكريس قوته كأمر واقع في الداخل أيضاً، ليرهب به خصومه لإخضاعهم لما تريده إيران (وسوريا) وهو أسير النظامين، وأي محاولة من أي قائد في حزب الله للتملص من هذا الأسر تعني خلعه أو قتله أو اتهامه بالخيانة وفق الثقافة الفارسية (السورية).
قوى 14 آذار/مارس تريد الحوار لإيجاد حل وتسوية لسلاح حزب الله تحت عنوان ((لا يموت الديب ولا يفنى الغنم)) وهي وافقت على الحوار بل وطلبته تحت رعاية رئيس الجمهورية متخلية عن حقها الدستوري بأن يكون الحوار داخل مجلس النواب، حتى لا تتهم بأنها تحتمي بأغلبيتها داخله، وهي صاحبة نظرية الفصل بين سلاح المقاومة ضد إسرائيل وسلاح إرعاب المواطنين.. ولم تنجح بسبب إصرار الحزب على السلاحين: المقاومة ضد إسرائيل الذي ينضوي تحته تنفيذ المشاريع الإيرانية، وتبرير حمله في الداخل، والسلاح لإرعاب المواطنين بما يعطيه الغلبة في كل قرارات الوطن سياسياً وأمنياً وعسكرياً وثقافياً وإعلامياً واجتماعياً..
ولحماية سلاح الحزب، عمد قادته للرهان على تفتيت قوى 14 آذار/مارس.. فنجح في إرعاب النائب وليد جنبلاط، وأخرجه مؤقتاً من قوى الاستقلال والسيادة، وها هو يراهن على تحييد مواقف زعيم الأغلبية رئيس الحكومة سعد الحريري، بعد ان أكمل الحريري مشروع المصالحات العربية، التي قادها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، وزار دمشق كرئيس لحكومة كل لبنان، التي تجسد الواقع السلبـي على الأرض.. علّ الانصراف إلى البناء يفتح كوّة في جدار نظرية ((الممانعة)) المدمرة لكل بناء، لخلق أمر واقع إيجابي آخر يواجه الأمر الواقع السلبـي الذي يمثله حزب الله وأتباعه.
إذن،
لم يبق إلا المسيحيون الاستقلاليون، بعد ان أخذ ميشال عون دور السنة عام 1969 حين حموا سلاح المنظمات الفلسطينية فكانت اتفاقية القاهرة ذلك العام التي أسقطت جزءاً كبيراً من سيادة لبنان لمصلحة المنظمات الفلسطينية المسلحة.. وها هو عون يحاول حماية سلاح حزب الله لإسقاط سيادة لبنان كلها لحسابات إيرانية (سورية).
ولأن حزب الله يدرك تراجع مكانة عون المسيحية، وفهمه كيف ان عون لم يكن لينجح في نصف مقاعده النيابية لولا أصوات الشيعة في بعبدا وجبيل ويعرف إجماع المسيحيين شعبياً بمن فيهم جمهور عون على رفض السلاح داخل الوطن، فإن الحزب يخوض اليوم ومنذ فترة معركة ضد المسيحيين المستقلين الذين تمسكوا بثلاثة ركائز حصانة لهم وللوطن:
الركيزة الأولى هي جمهور14 آذار/مارس الذي قاد ثورة الأرز في ذروة القوة الغاشمة للوصاية السورية وأتباعها في لبنان وها هو متمسك بمبادىء هذه الثورة في ذروة القوة الغاشمة لوصاية حزب الله على الوطن.. ولم نخرج جمهور عون الأساسي من هذه القوى في هذه القضية.
الركيزة الثانية هي البطريركية المارونية وصوتها العاقل الوطني الحريص على العيش المشترك وقيام الدولة ومؤسساتها وقرارها الحر.
الركيزة الثالثة هي مؤسسة رئاسة الجمهورية ضد محاولات تحجيمها وعزلها.
في ذروة معركته ضد المسيحيين المستقلين وأحزابهم الوطنية، يركز حزب الله حملته ضد القوات اللبنانية وأحزاب الكتائب والوطنيين الأحرار والكتلة الوطنية والشخصيات المستقلة المسيحية في طول لبنان وعرضه، مهدداً حين يحتاج الأمر إلى تهديد، علّه يحقق بين المسيحيين ما نجح فيه مع جنبلاط، مثلاً.
ذروة تهديد المسيحيين جاءت على لسان أمين عام الحزب حسن نصرالله، حين خيّرهم بين أن يكونوا مثل ميشال عون أو ان يلقوا مصير المسيحيين في العراق، في اعتراف ضمني من نصرالله، بأن ما أصاب مسيحيي العراق جاء بأيدٍ إيرانية ممثلة بجيش المهدي لأنهم نادوا بعراق حر مستقل.
غير انه من الخطأ ترك القضية المركزية وهي سلاح حزب الله، لمنازلة غير متكافئة بين الحزب والمسيحيين الاستقلاليين لأنها ستعيد لبنان إلى مربع التخلي الإسلامي عن سيادة لبنان الذي جاء باتفاقية القاهرة، وانتهت إلى أمرين بالغي الخطورة هما الحرب الأهلية عام 1975، وفقدان لبنان سيادته منذ ذلك التاريخ حتى عام 2005 (ثلاثون عاماً).
ولأنها ستتيح لإيران (وسوريا) تفتيت اللبنانيين وتفتيت لبنان، أو دفعه عملياً لصيغة عراقية سواء بأصناف الحروب الداخلية المريعة، وأبرز نتائجها تصعيد القاعدة في لبنان، وتكريس الفدرالية التي تحكم العراق اليوم وفق الدستور وهي التفتيت العملي على الأرض.
أما من يراهن على ان قوة حزب الله الكاسحة ستعطيه الفرصة لتوحيد لبنان بالقوة، فهو يراهن فعلاً على انهيار لبنان الوطن بعد ان انهار لبنان النظام والمجتمع.